حام الضباب حول الجبانه فى برودة صبحها الناشئ..يعتصر فوضويه منظمه وفراغ خصم ..هو الحارس الوحيد والجرئ للمكان ..عاصمة مملكة العالم السفلى ..عالم الاحياء النابض داخل امبراطورية الاموات المقدسه..استلقى الجسد المنهك على حصيرة قديمه مستندآ الى ضلفة الباب الخشبى المفتوح بأنتصاف عبثى..وحين دخولها انتصفت فتحة الباب بالتمام ..بالقرب منها انزوت كومه ضئيله من اللحم الحى الدافئ ..فى ارتفاع تدريجى لأزيز الوابور
النحاسى.. تكتم وجع بطنه المباغت
-خد اشرب شاى بالنعناع .هايريحك..
أراح رأسه الثقيله السائله الى الغليان على بقايا مخده رثه.. سكت الحراك وساد صمت قدرى لبرهه وسط سكون القبور الصارخ ونتانة الاركان الاربعه
- يادهوتى انت هاتنام ياراجل ..شيخ البلد مات النهارده وزمانهم جايين ..مش هاتقوم تعمل حاجه قبل ماييجوا ..
ما كادت تنهى حديثها حتى ظهر فى افق الجبانه شاهد النعش الذى يحمل الساكن الجديد فى المملكه
- يارب توب علينا بقى..
وحين عبرت كلماته مضايق ضباب الجبانه كان كل شئ على ما يرام..اعتياد فورى واحتراف للحظة الفراق .
وأمام قبر الفقيد تعالت الاصوات وتكثف النياح فى لحظة عبور بربرى لمشاعرهم الدفينه ثم لاشئ على الاطلاق.. واحتفالية حزنه المصطنع انتهت بكورس الختام (انا لله وانا اليه راجعون)
- بقيت حسابك.
- ماتخلى يابيه
وقبل ان يعود الصمت وقبل ان تفتر الهمه ازدادت
شراهة الدود
-لا حول الا بالله امتى حصل؟..الله يرحمه..البقيه فى حياتك
مره أخرى يعد القبر ليدفن الجثه الجديده الطازجه
- طيب ..طيب ..شدحيلك..
يتصبب عرقآ والشمس ضربت اشعتها فوق الارض تلسع الذرات الرماديه الكالحه وتلهب الجبانه بسياط من نار تكوى الانفس وتشيع فيها الرهبه ..كأنها ارخبيل جهنمى انبثق من كابوس مزعج لواقع اكثر ازعاجآ..والقبور تذوب فى بحيره من سوائل الموتى العفنه ..والشمس كأنها صلبت فى السماء فثبتت مكانها بلا حراك..
وهو يقف وسط بحيرة من عرقه المأتمى سيدآ للمكان المسحوق..للعالم الصامت الذى نصبه ملكآ متوجآ بأكليل من الدود .
- ياه الست الطيبه دى كمان ..البقيه فى حياتكم.
- كتر الف خيرك
- العصر ادن ..مش اعملك حاجه ترم بيها عضمك برضه .
- يابركات الله الشغل كتير قوى النهارده.. رحمتك يارب . هيا القيامه قامت ولا ايه ؟ كام ست وكام راجل النهارده بس ياقوة الله.
أوشكت الشمس على المغيب برغبه فى الا تعود .وها هو الميت الجديد قادم ..وهو مازال يحفر ويحفر ..
- ده عاشر واحد النهارده .الطف بعبيدك يارب البلد ماعدش فيها حد ..دا احنا زى مانكون فى حرب .
كانت التقارير الوارده من المركز الصحى تؤكد ذلك وتضارب الورق بالاراء..كوليرا تيفويد..طاعون..
- منهم لله
رجال ونساء وأطفال وحتى حيوانات ..
امتلأت ديدان القبور باللحم العفن حتى التخمه فتلاشت شراهتها لمزيد من اللحم البارد..
غربت الشمس وضربت الحمره الشفقيه شواهد القبور كأنها تسبح فى بحر دموى الى اللانهايه ..
مسح عرق جبينه المتصبب .
- كفايه كده النهارده
امتلأت القبور لآخرها ..لم يعد هناك اماكن للمزيد ..
جاءت تحمل اللفه الرخوه..وقفت مكانها كوتد دق فى ارض الاموات..
انزلقت اللفه من يدها المخمليه..
انحنى جسده عليها .
كان فوق الطاقة والقدره..
سقطت على الارض..
يملأ يده بحفنه من التراب يمسح بها قلبه الحى ..
يحفر القبر الصغير
يسقط فوق الكفن الصغير..
أخر الاموات.
الذي لم يأتي قصص لدكتور محمد يوسف


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق